‏إظهار الرسائل ذات التسميات الردود السلفية على الفرقة الإباضية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الردود السلفية على الفرقة الإباضية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 2 فبراير 2013

الاباضية ..وهل هم من الخوارج؟



1 لماذا الاباضية ؟


لعل القارئ يقول لماذا الحديث عن الاباضية ؟؟ وهي فرقة ذات أقلية مبعثرة في بعض بلاد المسلمين كعمان وشمال أفريقيا وزنجبار , كما أنها أقل خطراً وشراً من الفرق الأخرى كطوائف الباطنية و الرافضة ونحوهم . فأقول ابتداء : لا شك أن الاباضية شرذمة قليلون . وهم دون فرق الباطنة ونحوهم شراً وخطراً وانحرافاً , لكن الذي دفعني إلى كتابة هذه المقالة الموجزة عن تلك الفرقة هو ما نلمسه في الآونة الأخيرة من نشاط هذه الفرقة والسعي من أبنائها في طبع كتب الاباضية , وإخراجها وتحقيقها , ثم توزيعها ونشرها (1) وأمر آخر جعلني اهتم بهم وهو دعوى علماء الاباضية أنهم ليسوا من الخوارج , واتهامهم لكتاب الفرق والمقالات بالتحامل عليهم , كما أنهم بطبيعة الحال - يبجلون مذهبهم ويكيلون صنوفا من المديح الطويل والثناء الحسن على مذهبهم (2) وفي نفس الوقت يلمزون المذاهب الأخرى ( مذهب أهل السنة ) (3) ويطالبون بكل صلف وتبجح مباهلة آهل السنة كما فعل (( خليلهم )) عندما طلب من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز المباهلة , فامتنع سماحته لما في المناظرة المعلنة من إيقاع بعض الناس في شكوك وشبهات , كما أن وقوع المناظرة بحد ذاته يعطي هالة لفرقة الاباضية , ويضفي عليها مزيداً من الشهرة والظهور وهم بلا شك دون ذلك (4) (5) .

2- من الاباضية ؟



وسيكون حديثي عن هذه الفرقة منصباُ عل جانبين مهمين , فأولهما بيان مصدر التلقي عند الاباضية , والآخر في ذكر القواسم المشتركة التي تجمع بين الخوارج وبين الاباضية , وقبل ذلك كله أذكر تعريفاُ موجزاُ عن فرقة الاباضية , فهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي الذي خرج في أيام مروان بن محمد في أواخر دولة بني أمية , وبعضهم يقول : كان عبد الله بن إباض مع نافع بن الأزرق ثم انشق عنه لتشدد نافع مع مخالفيه , حيث كان ابن إباض لا يرى إلا استحلال دم مخالفيه دون أموالهم وتدعى الاباضية ارتباطها بجابر بن زيد أحد التابعين مع أنه تبرأ منهم (6) .



الاباضية فرق متعددة فنهم الحفصية و اليزيدية , والحارثية , وغيرها , وأشد هذه الفرق انحرافاً طائفة اليزيدية , وإمامهم يزيد بن أنيسة زعم أن الله سيبعث رسولا من العجم , وينزل عليه كتاباً من السماء , ومن ثم ترك شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وقد تبرأ أكثر الاباضية من هذه الفرقة ومنهم من توقف فيها (7)



3- مصدر التلقي عندهم :



وإذا أردنا أن نتحدث عن مصدر التلقي عندهم , فإن لمسند الربيع بن حبيب مكانة عظيمة في قلوبهم , فهو مصدر التلقي عندهم بعد القران , حيث إنه أصح كتاب عندهم بعد القران ومؤلفه الربيع بن حبيب البصري , وقد اعتنوا بهذا المسند فشرح عدة شروح , كما رُتب على الأبواب الفقهية , فجاء في أربعة أجزاء صغيره ضمن مجلد واحد , ويفتقد هذا المسند (( المنحول )) * للربيع لمقدمة توضح تراجم رواته وتوثيق نسبة للربيع , بينما تفتخر الاباضية



بأن هذا المسند يعود إلى أبي الشعثاء جابر بن زيد والذي تبرأ منهم - كما سبق ذكره .



كما أن هذا المسند مليء بأخبار منقطعة , وأحاديث لا خطام لها ولا زمام وأخبار موضوعه (8) ومأخذ ثالث وهو أن هذا المسند يعج بالمخالفات والمزالق العقدية المتنوعة ومنها مايلي :



أ- تعطيل الصفات الألهية ونسبة هذا التعطيل إلى صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ذلك ما جاء في مسندهم من الزعم بأن الله في كل مكان ونسبة ذلك لعمر ونفي رؤية الله في اليوم الآخر ونسبة لأبن عباس , ونفي اليد وتأويلها بالقدرة ونفي الاستواء على العرش , ونفي العين ولنفس , وغيرها من الصفات (9)

ب- تعطيل السنة النبوية احتجاجاً بحديث جاء في المسند الربيع (( إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني )) وهو حديث كذب موضوع .



ج نفي المسح على الخفين وإنكاره (10)



ويتضمن المسند شيئا من التأويلات المتعسفة , ولعلهم يستدلون بحديث رووه في مسندهم مرفوعاً (( ما من كلمة إلا ولها وجهان فاحملوا الكلام على أحسن الوجوه (11) فمن تلك التأويلات المتكلفة قول أبي عبيدة أحد شيوخ الربيع عن معنى حديث (( من يحمل السلاح فليس منا )) : يريد حمله إلى أرض العدو (12) .



وقد انعكست هذه المزال على الاباضية فتجدهم يحتجون بأخبار موضوعه , ويجهلون الأحاديث الصحيحة , ويمتطون التأويل المتعسف , فيحرفون الكلم عن مواضع , واذكر على ذلك مثالاً لأحد شيوخهم المعاصرين في عمان وهو سالم بن حمود السمائلي فتجده يحتج بحديث (( خذو شطر دينكم عن هذه الحميراء )) (13) وهو كذب مختلق كما بيّن ذلك ابن القيم رحمة الله في (( المنار المنيف )) .



وانظر إلى جهله أو تجاهله بالأحاديث الصحيحة التي تخالف مذهبه وكيف بتأولها تأويلاً بعيداً غير سائغ , فيقول السمائلي : (( وحديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وسرق على فرض صحته وإن زنى وإن سرق ثم تاب , فالزنى والسرقة لا يمنعان من دخول الجنة للتائب فإن التائب من الذنب كما لا ذنب له (14) .



أرأيت أخي القارئ ما يفعله الشيخ العلامة الجليل سالم كما جاء على غلاف كتابه !! مع أن حديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق أخرجه الشيخان :



البخاري ومسلم (15) وانظر إلى كثافة فهمه وفساد كلامه .



ويتقنن الفقيه سالم في ذكر أنواع من التأويل الفاسد عند إيراد أحاديث مذهبه فمن ذلك قوله عن حديث (( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من أيمان )) أي لا يدخلها أبداً(16) .



وقوله عن حديث : (( من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة , إذا مات غير مقترف لإثم دخل الجنة (17)



وليس التأويل الفاسد وقفاً على هذا الشيخ , بل نجد أن الكثير من الاباضية إذا أعيتهم النصوص وأشرقت عليهم بأنوارها , شهروا أمامها ذاك التأويل المظلم (18) .



ورحم الله ابن أبي العز الحنفي عندما يقول عن هذا التأويل : وهذا الذي أفسد علينا الدنيا والدين , وهكذا فعلت اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل , وحذرنا الله أن نفعل مثلهم , وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم , وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية , فهل قتل عثمان رضى الله عنه إلا بالتأويل الفاسد ! وكذا ما جرى في يوم الجمل , وصفين , ومقتل الحسين ( رضى الله عنه ) والحرة ؟ وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة . ورفضت الروافض وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد ؟ ( شرح الطحاوية 1/ 9-2) .



وما دمنا نتحدث عن مصدر التلقي عندهم فأعلم أخي القارئ أن الاباضية تأثراً بالمسلك الكلامي لا يقبلون خبر الآحاد في أبواب الاعتقاد .

4- هل الاباضية من الخوارج ؟



والان أسرد لك أخي القارئ القواسم المشتركة والأمور المتفق عليها بين الخوارج وبين الاباضية , وسيظهر لك تلقائياً الجواب عن هذا السؤال / هل الاباضية من الخوارج أم لا ؟؟



تجد ابتداءً أن عبد الله بن أباض يعتبر نفسه امتداداً للمحكمة الأولى كما في الرسالة التي بعثها إلى عبد الملك بن مروان .



كما يظهر من خلال عقائد الاباضية التشابه الكبير بينهم وبين أسلافهم من الخوارج , فمثلاً في التوحيد نجد الاباضية تقول بخلق القران كما جاء في كتبهم قديماً وحديثاً (19) , وقد وافقوا الخوارج في ذلك , يقول الأشعري : (( والخوارج جميعاً يقولون بخلق القران )) مقالات الإسلاميين 1/203 ), ويظهر من خلال كتبهم تعطيل الصفات مثل إنكار رؤية الله في اليوم الآخر , وتعطيل الصفات عموماً (20) .



مثل الاستواء واليد وغيرها , والخوارج يغلب عليهم التعطيل في الصفات تأثراً بالمعتزلة , يقول الأشعري (( فأما التوحيد فإن قول الخوارج في الصفات فيه كقول المعتزلة )) مقالات الإسلاميين 1/203).



وأما مسألة الأسماء والأحكام فإن الاباضية تقول بتخليد العاصي في نار جهنم , وهي بذلك تتفق مع بقية الخوارج والمعتزلة في تخليد العصاة في جهنم لكن الاباضية تحكم عليه في الدنيا بأنه كافر كفر نعمة أو كفر نفاق (21).



ومن الأمور التي يتفقون عليها إنكار الشفاعة لعصاة الموحدين , لأن العصاة مخلدون في النار, فلا شفاعة لهم حتى يخرجوا من النار (22) , وكل ذلك معارضة لما تواتر من الشفاعة لأهل الكبائر حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي )) رواه الترمذي والبيهقي عن أنس مرفوعاً وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي .



كما نجد الاباضية يجوزون الخروج على أئمة الجور , ويتهج بعضهم على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه , وينكر بعضهم شرط القرشية في الإمام , وكل هذه الأمور قد قال بها أسلافهم من الخوارج , بل انهم يدافعون عن أسلافهم , فينتصرون للخوارج أيام النهر وان (24).







نصيحة للطائفة الاباضية :



وفي آخر هذه المقالة أدعو كل طالب حق من أبناء الطائفة الاباضية بأن يتجرد في طلب الحق بدليله , وأن نتلقى ديننا من كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , وذلك على حسب منهج السلف الصالح وفهم الصحابة رضي الله عنهم , وعلينا جميعاُ أن نتخلى من ربقة التقليد للآباء والتعصب لآراء الرجال , وأن تنشرح صدورنا لما جاء في الوحيين , أسال الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلي أن يُصلح أحوال المسلمين , وأن يهدي ضالهم ويثبت مطيعهم , والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .







ـــــــــــــــــــــــــــ



(1) قامت وزارة التراث القومي والثقافة بعمان بطبع مجموعة ضخمة من كتب الاباضية مع تحقيقها ونشرها

(2) كما فعل مفتي عُمان (( الخليلي )) عندما وصف أتباع مذهبهم بأنهم أهل الحق والاستقامة ومدحهم بسلامة مصدرهم (!) وأنهم اهل مرونة وتسامح ( لدرجة أنهم قالوا بتخليد العاصي في جهنم !!!) وذكر أن الاباضية يجتهدون في لم شعث الأمة ( وهم خوارج .. يسعون لتفريق الأمة وتمزيقها كما فعله أسلافهم من الخروج على الأئمة وإشعال الثورات ) ( انظر كتاب الحق الدامغ للخليلي ص 10 15 ) كما نجد أحد شيوخهم المعاصرين سالم السمائلي يتشدق بأن المذهب الاباضي أول المذاهب , وبكثرة علمائهم واعتدال مذهبهم وقربه من عهد النبوة / انظر كتاب إزالة الوعثاء على أتباع أبي الشعثاء للسمائلي ص 63 ..

(3) ومثالة ما زعمه الخليلي بأن اتباع الأئمة الأربعة يكفر بعضهم بعضاُ بخلاف الاباضية ( رمتني بدائها وانسلت ) انظر كتابه الحق الدامغ ص12 .

(4) وقد ذكر ذلك الشيخ د. صالح الفوزان في رسالة له بعنوان (( الرد على السيابي )) حيث انتصر الفوزان للحق , كما دافع عن الشيخ ابن باز أمام تعصب وتعنت السيابي الذي كتب رداُ على فتوى ابن باز في حكم الصلاة خلف من ينفي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة .

(5) أخبرني أحد الثقات أن واحداً من طلبة العلم المغمورين من أبناء أهل السنة قد ناقش هذا المفتي الخليلي في بعض مسائل الاعتقاد وأدحض شبهاته واظهر الحق أمامه حتى بهت .

وأقول لقد طلب شيخنا المحدث سعد الحميد حفظة الله مناظرة هذا المفتى بكل وسيلة ولا زال ولكن لا حياة لمن تنادي ولقد اخرس شيخنا حفظة الله أحد شيوخ الاباضية في مناظرة موجوده على الشبكة ويقال ان هذا اللاباضي هو الشيخ السابعي أو ما يسمى ( الظافر ).

(6) انظر تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر 2/ 38

(7) للمزيد من معرفة الاباضية : انظر مقالات الإسلاميين 1/ 167 الملل والنحل 1/ 134 و دراسة عن الفرق لأحمد جلي وغيرها كثير .

(8) ومن هذه الأخبار الموضوعة والموجودة في هذه المسند ج1 / ص 13 ما نسبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : (( إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني , وهذا موضوع مختلق على النبي صلى الله عليه وسلم كما بين ذلك أئمة الحديث وصيارفته , كما أن القران يكذب هذا الحديث ويرده كما قال سبحانه (( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )) انظر كشف الخفاء 1 /89 , ولعل هذا الخبر الموضوع يؤكد وقوع الخوارج في وضع الأحاديث وإن كانوا أقل كذباً من غيرهم كالرافضة ونحوهم وكما روى الخطيب البغدادي في (( الكفاية بسنده )) عن شيخ من الخوارج وهو يقول : إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً ( انظر الكفاية ص 163) .

(9) انظر المسند المذكور 3/23-37

(10) انظر المسند المذكور 1/27

(11) انظر المسند المذكور3/40

(12) انظر المسند المذكور2/20

(13) انظر كتابه إزالة الوعثاء ص 63

(14) انظر كتابه أصدق المناهج في تمييز الاباضية عن الخوارج ص 34

(15) انظر ما ذكره ابن رجب عن معنى هذا الحديث وما في معناه في رسالة (( كلمة الإخلاص )) .

(16) (17) انظر كتابه أصدق المناهج ص 35 , 36 ,

(18) انظر إلى ما جاء في كتاب بدابة الإمداد على غاية المراد لسليمان الكندي الاباضي حيث أوّل الميزان بالعدل ص 57 , وكذا أول الصراط ص 58 وغير ذلك .

(19) ممن قال بخلق القران من الاباضية المعاصرين : سليمان الكندي في كتابه بداية الإمداد ص 72 , والخليلي في الحق الدامغ ص 97 183

(20) انظر أصدق المناهج ص 27 , ومشارق أنوار العقول للسالمي 1 / 362 , إزالة الوعثاء ص 23 /95 .

(21) انظر إلى أقوالهم في تخليد مرتكب الكبيرة : الموجز لأبي عمار عبد الكافي الاباضي 2/117 , ومشارق أنور العقول 2/143 , وبداية الإمداد ص 61 , وسمر أسرة مسلمة لعلي يحي معمر ص 58 , والحق الدامغ ص 183 228 , وأصدق المناهج ص 27 .

(22) ممن أنكر الشفاعة للعصاة السالمي في كتابه : مشارق أنور العقول 2/432 , والكندي في بداية الإمداد ص 65 , والسمائلي في أصدق المناهج ص 27 ,40,43,46, وبداية الإمداد ص 161 .

(23) انظر كتاب مشارق أنوار العقول 2/132

(24) انظر أصدق المناهج ص 28 , 40 , 43 , 46 , وبداية الإمداد ص 161

لـمـاذا فـارق الأبـاضـية جـمـاعـــة المـسـلـمـين ؟



لقد كان ظهور الفرق العقدية والفكرية في الأمة الإسلامية خاضعاً لأسباب داخلية عاشها المسلمون في مراحل نشأة هذه الفرق .
ولعل أول أسباب ظهور هذه الفرق يتمثل فيمـا عاشه بعض المسلمين من انحـراف عن المنهج الإسلامي الصحيح والمحجة البيضاء ، فقد تضمن الكتاب والسنة كُل ما يهدي المسلمين إلى طريق الحق ، ولذا فهما معيـار الاستقامة وعدم الانقسام على النفس ، ولكن بعض المسلمين تركـوا المنهج الواضح الذي رسمه الشارع الأعظم وحـادوا عن منهج أهـل السنة والجمـاعة من سلف الأمة الصالح ، وركنوا إلى بعض التصورات العقلية بمنأى عن الهـداية العقدية الواردة فيهمـا فضلوا وأضلوا . وسنرى مثالاً لذلك بعض الفرق التي نشأت في أواخر عهد الخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية .
كذلك فإن من أسباب ظهور هذه الفرق إتاحة بعض المسلمين الفرصـة للتأثير الأجنبي فيهم من خلال الثقافات الوافدة التي استطاعت أن تنفذ إلى بعض فئات المجتمع الإسلامي الهامة فتأثرت وأثرت .
وساعد على ذلك دخول الحاقدين ساحة التأثير في المنهج الإسلامي ، فبدأ نوع من الاستقطـاب لقطاع كبير من المسلمين فانحرفوا بعقيدتهم ، وبدؤوا يضعون بعض المبادىء الهدامة التي واكبت مسيرتهم . لذا فقد كان إعطاء الفرصة للتأثير الأجنبي ـ سواء من خلال الثقافات الوافدة أو من خلال الحاقدين ـ أثر هام في تكوّن هذه الفرق .
وإذا كان العاملان السابقان قد أوجدا - مع غيرهما - مناخ التفرق وساعدا على وجوده وتغلغله في المجتمع إلا أن هناك عاملاً ثالثاً ساعد على استمرار هـذا التفرق ، ويتمثل هذا العامل في ركون بعض المسلمين إلى السلبية وعدم قيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حيث لم يسعوا سعياً حثيثاً لرأب الصدع واستشعار المعنى العميق للوحدة الإيمانية وما تستلزمه من محبة وأخوة .
ومع أن الأصل هو استفادة الأمة من دروس الماضي ، إلا أن العصر الحاضر يشهد بدوره - وبكل أسف - تفرقاً جديداً وظهور فرق فكرية جديدة ، ولعل مرجع ذلك هو عدم استفادة الأمـة من دروس الماضي ومن ثم عدم تجدد التزامها بالإسلام وعدم الوقوف صفاً واحداً على كلمة واحـدة هي منهج الله سبحانه ، منهج أهل السنة والجماعة ، وتفويت الفرصة على أعداء الإسلام ، وهكذا يعيد التاريخ نفسه ، للأسف الشديد ، بين كثير من قطاعات المسلمين .
وإذا عدنا أدراجنا إلى البدايات الأولى لظهور الفرق في الإسلام فإنه يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أواخر عصر الخلافة الراشدة فلقد نشأت الفرق الإسلامية في أواخر عصر الخلفاء الراشدين، وتبلورت أفكارها في العصور التالية ، ثم تعمق وجود هذه الفوارق لأسباب لاحقة .
أما في عهد الرسالة وبداية عهد الخلفاء الراشدين فقد كان المسلمون يشكـلون وحدة حقيقية ، عقيدة وفكراً وجماعة ، وإذا ظهر خلاف ما في الرأي ، فسرعان ما ينتهي إلى وفاق ، بسبب الاحتكـام المباشر إلى الكتاب والسنة .
وبدأت الفتن والفرقة بين المسلمين في أواخر عهد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث جأر البعض بالشكوى من ولاة عثمان ثم بدأت الشكوى من عثمان ذاته بمقولة : إنه يولي العمـال من ذوي رحمه ، ثم تحولت الشكوى إلى الطعن في دينه على يد بعض المارقين الضالين .
ثم قُتل عُثمان رضي الله عنه مظلوماً بيد فئة ظالمة غُرر بها .. ففتح بذلك باب القتل والقتـال بين المسلمين .
وبعد تولي علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخلافة ، اتهمه البعض بأنه مالأ قتلة عثمان ، ولم يقتص منهم ؛ فوقع القتال بين علي وبين الزبير وطلحة وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم جميعاً . ثم وقع قتال بين علي ومعاوية وانتهى بواقعة التحكيم المعروفة .
وبعد التحكيم كانت البداية الفعلية للافتراق في الأمة بظهور الخوارج والشيعة .
وكانت الأولى الخوارج : قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( كان أول من فارق جمـاعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون ) .
وقال : ( وهم أول من كفّر أهل القبلة بالذنوب ، بل بما يرونه هم من الذنوب ، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك ) . وسموا بالناصبة أيضاً لمناصبة علياً رضي الله عنه وآله العداء ، وصرّحوا ببغضهم . وظهروا في 10 من شهر شوال عام 37 ببيعتهم ( عبد الله بن وهب الراسبي ) .
الثانية : الشيعة : أي من ادعوا أنهم شيعة عليّ وأبناؤه ، وقد افترقوا على فرق عدة أقلها غلّواً من قال منهم بأن عليًا أولى بالخلافة من أبي بكر وعمر مثل الزيدية .
وظهر بجانب مسألة التكفير مسألة القدر التي قال بهـا معبد الجهني في آخر القرن الأول ، وكثر الكلام حولهما في آخر عهد علي بن أبي طالب .
ثم ظهرت المرجئة في آخر القرن الأول كذلك . ثم ظهر التعطيل على يد الجعد بن درهم والجهم بن صفوان في أول القرن الثاني الهجري .
ثم نادي جهم بن صفوان في أوائل القرن الثاني الهجري بالجبر وهو الذي قال : لا إرادة للإنسـان بجوار إرادة الله .
وظهرت المعتزلة التي تنادي بالإرادة الإنسانية المطلقة ، لأنه سبحانه وتعالى خلق الإنسان حراً مختاراً وهذه الحرية هي أساس التكليف وعليها يترتب الحساب والعقاب .
ثم أثيرت مسألة صفات الله وكلامه ، ومسألة خلق القرآن ، أهو مخلوق أم قديم ؟ أثار ذلك الجهم ابن صفوان والجعد بن درهم في العصر الأموي ، ثم اشتد الأمر في العصر العباسي، فكان امتحان إمام أهل السنة أحمد بن حنبل .
وتعددت الفرق وتشعبت بتأثير كتب الفلسفة اليونانية والهندية التي ترجمت إلى العربية ، فأصبحت الفرق فرقاً متعددة ، وهكذا انقسمت المعتزلة إلى فرق كثيرة . منها : الواصلية ورائدها واصل بن عطاء ، والهذلية ورائدها أبو الهذيل العلاف .
وانقسمت الشيعة إلى فرق أقل غلواً وفرق غالية انحرفت كلياً عن طريق الإسلام مثل الإسماعيلية والنصيرية والدروز وغيرهم .
ثم ظهرت الأشاعرة والماتريدية للتصدي للفلاسفة والباطنية والرافضة ولكسر سورة المعتزلة الجهمية ، فكان لهم جهادهم المشكور إلا أنه كان لاستخدامهم مناهج الفلاسفة والمتكلمين ومحاولة التوفيق بينهم وبين أهل السنة والجماعة أثره البالغ في تأثرهم ببعض أفكارهم وعقائدهم على ما سيأتي بيانه .
وإن اهتمامنا في هذه الموسوعة بهذه الفرق ودراستها بشكل منهجي متقن ، ليس لإحياء فكرها بعد أن مات بعضها واندثر ، ولا من باب الترف الفكري ، وإنما لأسباب نجملها فيما يلي :
1. إن ذكر الفرق تاريخياً له أصوله في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فقد توسع القرآن في ذكر قصـص الأمم البائدة صالحها وسيئها ، وذكر أقوال رؤسائهم وقادتهم ، وما عملوه تجاه رسل الله ، وكذلك قـص علينا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من قصص الامم السالفة والدروس المستفادة من ذلك .
2. أن تبيان هذه الفرق صحيحها وفاسدها ، مستقيمها ومنحرفها ضرورة حتى يكون المسلم على بينة من عقائدها ، وحتى لا يخـدع بكلامهم وفعـالهم إن ذكرت في كتب المتأثرين بهذه الفرق أو كتب أتباعهـا المعاصرين .
3. كثير من أفكار هذه الفرق تتجدد وتلبس ثياباً أخرى غير التي كانت تلبسها سابقاً ، أو تتسمى بأسماء براقة تغري الذي يشاهدها أو يسمع بها ، والمسلم الحصيف هو الذي يعرف التشابه بين الأفكار القديمـة والأفكار الحديثة .
4. والهدف من معالجة هذه الفرق هو أن يكون عند المسلم المثقف مرجع تاريخي مركز ومختصر يرجع إليه عندما يحتاج إلى الاطلاع على هذه الفرق وعقائدها وأفكارها وأماكن انتشارها .
هذا مع العلم أن كثيراً من هذه الفرق لا زالت تعيش وبعضها يتوسع على حساب الإسلام مثل فرقة الشيعة والروافض التي صار لها دولة تدعو إلى أفكارها بكل الوسائل العلمية والثقافية وغزت بمدارسها ودعاتها قارة أفريقيا والشرق الأقصى .
وبعد :
فهذه نقاط هامة لا بد من ذكرها في مقـدمة سرد الفرق الإسلامية المنحرفة .. داعين المولى تعالى أن يوفق المسلمين إلى طريق الإسلام القويم ، وأن يوحد أفكارهم وعقائدهم على طريق الكتاب والسنة حتى يعيدوا ماضيهم التليد الذي كانوا فيه أعزاء ، أقوياء ، في مركب الأمة الواحدة .

الخوارج :
بدعة الخوارج هي المثل الواقعي الحيّ على أن الإخلاص وحده لا يكفي في صحة العمل ، وصلاح المنهج ؛ بل يلزم مع الإخلاص متابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وعدم الخروج على فهم السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين .
لقد كان الخوارج قومـًا ذوي عبادة ربما فاقت في بعض صورها عبادة الصحابة ؛ ولكنهم مع ذلك ضلُّوا سبيل الهدى لما ظنوا أنهم أعلم من الصحابة ، وقد اتفقت كلمة الأمة على ضلالهم ووجوب قتالهم ، كما فعل عليُّ رضي الله عنه ومن معه من الصحابة الأطهار الأبرار .
تعتبر بدعة الخوارج أول بدعة حدثت في الإسلام ، قال الإمام ابن تيمية : كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع " الخوارج المارقون " وقد صح الحديث فيهم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه أخرجها مسلم في صحيحه ، وخرج البخاري منها غير وجه.
وقد قاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه ولم يختلفوا في قتالهم (الفتاوى 3/349) .

مسميات الخوارج
الخوارج جمع خارج ، وهو الذي خلع طاعة الإمام الحق ، وأعلن عصيانه ، وألب عليه ؛ بعد أن يكون له تأويل ، وعلماء الشريعة يسمونهم بغاة ، ومن مسمياتهم أيضـًا :
الحرورية : لنزولهم في مكان يسمى حروراء بعد انفصالهم عن جيش سيدنا على رضي الله عنه .
النواصب : لمناصبتهم العداء لسيدنا عليٍّ رضي الله عنه ومن معه.
الحكمية : لقولهم بعد التحكيم لا حكم إلا لله .
المارقة : لمروقهم من الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة .

جذور بدعة الخوارج :
أول الخوارج وأصلهم وأقبحهم حالاً هو ذو الخويصرة التميمي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اعدل ، أو قال : اتق الله يا محمد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن يطع الله إن عصيته ؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنونني ؟ ثم أخبر أنه يخرج من ضئضئه ( ذريته ) الخوارج كما في صحيح الإمام مسلم ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو باليمن بذهيبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر : الأقرع بن حابس الحنظلي ، وعيينة بن بدر الفزاري ، وعلقمة بن عُلاثة العامري ، ثم أحد بني كلاب ، وزيد الخير الطائي ، ثم أحد بني نبهان ، قال : فغضبت قريش فقالوا : أيعطي صناديد نجد ويدعنا ؟! ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إني إنما فعلتُ ذلك لأتألَّفهم ( أستميلهم إلى الإسلام بما يحبونه من المال حتى يتم تفهمهم له ) ] ، فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين ،غائر العينين ، ناتئُ الجبين ، محلوق الرأس فقال : اتق الله يا محمد .. قال : فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم : [ فَمَنْ يُطِعِ الله إن عصيْتُهُ ؟ أَيأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأرض ولا تأمَنُوني ؟ ] ، ثم أدبر الرجل ، فاستأذن رجل من القوم في قتله ـ يروْن أنه خالد بن الوليد ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إنَّ من ضِئْضئ (من عنصره وذريته ) هذا قومـًا يَقرؤون القرآن لا يُجاوز حناجرهم يقتُلُون أهل الإسلام ويدعُون أهل الأوثان يَمْرُقُون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ ، لئن أدركتُهُم لأقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عـادٍ ]( صحيح مسلم 7/161 ، والبخاري 9/129) .
وفي رواية عنه أيضـًا ـ بَعد أن ذكر قصة هذا الرجل ـ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله ، ائذن لي فيه أضرب عنقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ دَعْهُ فإن لهُ أصحَابـًا يَحْقِرُ أحدُكُم صلاتـهُ مع صلاتهم وصِيامَهُ مع صيامهم ، يقْرؤون القرآن لا يجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ ؛ يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ(حديدة السهم ) فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ ، ثم يُنْظَرُ إلى رِصَافِهِ(مدخل النصل من السهم ) فلا يُوجدُ فيه شيءٌ ، ثم يُنْظَرُ إلى نَضِيِّهِ فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ ـ وهو القدح ـ ثم ينظر إلى قُذَذِهِ ـ ريش السهم ـ فلا يوجد فيه شيءٌ ،سبق الفَرْثَ والدم ، آيَتُهُم رجلٌ أسودُ إحدى عَضُدَيْهِ مثلُ ثَدي المرأة ، أو مثلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ ، يَخْرُجُون على حِينِ فُرْقَةٍ من الناس ] .
قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه ، فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد ، فأُتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت .

خروجهم على عليٍّ رضي الله عنه :
قال ابن الجوزي : فهذا أول خارجي خرج في الإسلام وآفته أنه رضي برأي نفسه ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ، وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وذلك أنه لما طالت الحرب بين معاوية وعلي رضي الله عنهما رفع أصحاب معاوية المصاحف ودعوا أصحاب علي إلى ما فيها وقال : تبعثون منكم رجلا ونبعث منا رجلا ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله عز وجل ، فقال الناس قد رضينا فبعثوا عمرو بن العاص فقال أصحاب علي : ابعث أبا موسى ، فقال عليّ : لا أرى أن أولي أبا موسى هذا ابن عباس قالوا لا نريد رجلا منك فبعث أبا موسى وأخر القضاء إلى رمضان فقال عروة بن أذينة : تحكمون في أمر الله الرجال لا حكيم إلا الله ورجع عليّ من صفين فدخل الكوفة ولم تدخل معه الخوارج فأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا وقالوا لا حكم إلا لله ، وكان ذلك أول ظهورهم ، ونادى مناديهم أن أمير القتال شبيب بن ربعي التميمي وأمير الصلاة عبد الله بن الكوا اليشكري ، وكانت الخوارج تتعبد إلا أن اعتقادهم أنهم أعلم من عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه وهذا مرض صعب .

مناظرة ابن عباس للخوارج :
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
إنه لما إعتزلت الخوارج دخلوا دارًا وهم ستة آلاف وأجمعوا على أن يخرجوا على علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، فكان لا يزال يجيء إنسان فيقول يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك فيقول دعوهم فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفعلون ، فلما كان ذات يوم أتيته صلاة الظهر فقلت له يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم فقال إني أخاف عليك فقلت كلا ، وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذي أحدا ، فأذن لي فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن وترجلت فدخلت عليهم نصف النهار فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا : جباههم قرحة من السجود ، وأياديهم كأنها ثفن الإبل ، وعليهم قمص مرحضة ، مشمرين ، مسهمة وجوههم من السهر فسلمت عليهم فقالوا مرحبا بابن عباس ما جاء بك ؟ فقلت : أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صهر رسول الله وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم فقالت طائفة منهم لا تخاصموا قريشا فإن الله عز وجل يقول : ( بل هم قوم خصمون ) فقال اثنان أو ثلاثة لنكلمنه فقلت : هاتوا ما نقمتم على صهر رسول الله والمهاجرين والأنصار وعليهم نزل القرآن وليس فيكم منهم أحد وهم أعلم بتأويله قالوا: ثلاثا، قلت: هاتوا قالوا: أما أحداهن فانه حكم الرجال في أمر الله وقد قال الله عز وجل : ( إن الحكم إلا لله ) فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل ؟ فقلت : هذه واحدة، وماذا؟ قالوا: وأما الثانية: فإنه قاتل وقتل ولم يسب ولم يغنم، فإن كانوا مؤمنين فلم حل لنا قتالهم وقتلهم ولم يحل لنا سبيهم؟ قلت : وما الثالثة ؟ قالوا فإنه محا عن نفسه أمير المؤمنين فإنه إن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين قلت : هل عندكم غيرهذا؟ قالوا: كفانا هذا .
قلت لهم : أما قولكم حكَّم الرجال في أمر الله .. أنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقض هذا فإذا نقض قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم ، قلت: فإن الله قد صير من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب وتلى هذه الآية: ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) إلى آخر الآية، وفي المرأة وزوجها: ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) إلى آخر الآية، فنشدتكم بالله هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم وفي حقن دمائهم أفضل أم حكمهم في أرنب وبضع امرأة فأيهما ترون أفضل ؟ قالوا : بل هذه. قلت خرجت من هذه؟ قالوا نعم .
قلت : وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم .. فتسبون أمكم عائشة رضي الله تعالى عنها؟!! فوالله لئن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم لنسبينها ونستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين لأن الله عز وجل " قال النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " أخرجت من هذه ؟ قالوا : نعم .
قلت : وأما قولكم محا عن نفسه أمير المؤمنين.. فأنا آيتكم بمن ترضون: إن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين -أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو- فقال لعلي رضي الله عنه: اكتب لهم كتابا.. فكتب لهم عليٌّ : هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله فقال المشركون: والله ما نعلم أنك رسول الله لو نعلم انك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اللهم إنك تعلم أني رسول الله امح يا علي هذا واكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله . فوالله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه.. قال فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا .

بغي الخوارج وقتال المسلمين لهم :
واجتمعت الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا التي إيثارها عناء آثر عند من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق فاخرجوا بنا .
ولقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثا يحدثه عن رسول الله تحدثناه؟ قال نعم سمعت أبي يحدث عن رسول الله أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول . قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك تحدثه عن رسول الله قال نعم.. فقدموه إلى شفير النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها وكانت حبلى، ونزلوا تحت نخل مواقير بنهروان فسقطت رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فيه، فقال أحدهم: أخذتها بغير حدها وبغير ثمنها فلفظها من فيه ، واخترط أحدهم سيفه فأخذ يهزه فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه به يجربه فيه فقالوا: هذا فساد في الأرض فلقي صاحب الخنزير فأرضاه في ثمنه.
فلما عاث الخوارج في الأرض فسادا ، وقتلوا عبد الله بن خباب وزوجته بعث إليهم عليّ رضي الله عنه أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب فقالوا كلنا قتله ، فناداهم ثلاثا كل ذلك يقولون هذا القول فعند ذلك قال علي رضي الله عنه لأصحابه دونكم القوم فما لبثوا أن قتلوهم .

وقد روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن وهب الجهني: أنه كان في الجيش الذين كانوا مع عليٍّ رضي الله عنه ـ الذين ساروا إلى الخوارج ـ فقال عليٍّ رضي الله عنه : أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ يَخرج قومٌ من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيءٍ، ولا صلاتُكُم إلى صلاتهم بشيءٍ، ولا صيامُكُم إلى صيامهم بشيءٍ، يقرؤون القرآن ويحسبون أنه لهم وهو عليهم ، لا تُجاوِز صلاتهم تَرَاقِيهم ـ المراد عدم انتفاعهم بالعبادة ـ يَمْرُقون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهم من الرَّميَّةِ، لو يعلم الجيش الذين يُصيبُونهم ما قُضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لاتَّكَلُوا عن العمل، وآيةُ ذلك أن فيهم رجلاً له عضدٌ وليس له ذراعٌ ، على رأس عَضده مثل حلمة الثدي عليه شعراتٌ بيضٌ ] فتذهَبُون إلى معاوية وأهل الشام وتترُكون هؤلاء يخلُفُونكم في ذرارِيكُم وأموالكم؟ والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغارُوا في سَرْحِ الناس ـ أي الأنعام التي ترعى ومن يرعاها ـ فسيروا على اسم الله "( صحيح مسلم ).

قال سلمة بن كهيل( أحد رواة الحديث ) : فنزَّلني زيد بن وهب منزلاً حتى قال : فمررنا على قنطرة ، فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي ، فقال لهم : ألقوا الرماح وسلّوا سيوفكم من جفونها ، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراءَ ، فرجعوا فوحشوا برماحهم ـ رموا بها عن بعد ـ وسلوّا السيوف ، وشجرهم الناس برماحهم ـ أي طعنوهم ـ قال : وقتل بعضهم على بعض ، وما أُصيب من الناس يومئذ إلا رجلان ، فقال عليٍّ رضي الله عنه : التمسوا فيهم المُخدَج ـ الذي تقدم وصفه بأنه له عضد وليس له ذراع ـ فالتمسوه فلم يجدوه ، فقام عليٍّ بنفسه حتى أتى أُناسـًا قد قتل بعضهم على بعض ، قال : أخروهم ، فوجدوه مما يلي الأرض ، فكبر ثم قال : صدق الله وبلغ رسوله ، قال : فقام إليه عبيدة السلماني فقال : يا أمير المؤمنين ، آلله الذي لا إله إلاّ هو ، لسمعتَ هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ، فقال : أي والله لا إله إلا هو ، حتى استحلفه ثلاثـًا وهو يحلف له .

قتلهم للإمام علي رضي الله عنه :
ثم اجتمع عبد الرحمن بن ملجم بأصحابه وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا: والله ما قنعنا بالبقاء في الدنيا شيء بعد إخواننا الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلوا أنا شرينا أنفسنا لله والتمسنا غير هؤلاء الأئمة الضلال فثأرنا بهم لإخواننا وأرحنا منهم العباد ، وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو ابن بكر التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا لنقتلن هؤلاء الثلاثة عليا ومعاوية وعمرو بن العاص ونريح العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي ، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية ، وقال عمر: وأنا لكم بعمرو فتواثقوا ألاّ ينقض رجل منهم رجلا عن صاحبه .

فقدم ابن ملجم الكوفة فلما كانت الليلة التي عزم على قتل عليٍّ رضي الله عنه فيها خرج علي رضي الله عنه لصلاة الصبح فضربه فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه فقال علي رضي الله عنه لا يفوتنكم الرجل فأخذ ، فقالت أم كلثوم : يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين .

فلما مات علي رضي الله عنه أخرج ابن ملجم ليقتل فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم فسمل في عينيه بمسمار محمى فلم يجزع فجعل يقرأ : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق ) حتى ختمها وإن عينيه لتسيلان، فعولج على قطع لسانه فجزع فقيل له لم تجزع؟ فقال أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله.. وكان رجلا أسمر في جبهته أثر السجود لعنة الله عليه .

قال صاحب الكشاف الفريد 1/69 : " وقد انقرض الخواج إلا طائفة من الإباضية تقيم جهة عُمان ، وفي جزيرة جربة تجاه تونس ، وفي جنوبي الجزائر ، وغربي ليبيا .

قال الإمام ابن حزم الظاهري : وشاهدنا الإباضية عندنا بالأندلس يحرمون طعام أهل الكتاب، ويحرمون أكل قضيب التيس والثور والكبش، ويوجبون القضاء على من نام نهارًا في رمضان فاحتلم، ويتيممون على الآبار التي يشربون منها إلاّ قليلاً منهم .

اختلاف الخوارج وأهم فرقهم :
وقد اختلفت الخوارج فيما بينها حتى صارت عشرين فرقة ، كل واحدة تكفر سائرها .. وهذه بعض أسماءهم :
1- المحكّمة الأولى : الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين جرى أمر المحكّمين ، ورأْسهم عبد الله بن الكواء ، وعتّاب بن الأعور ، وعبد الله بن وهب الراسبي ، وعروة بن جرير، ويزيد بن أبي عاصم المحاربي ، وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية.
2 - الأزارقة : أتباع نافع بن الأزرق ، أكثر الفرق عددًا وأشدهم شوكة .
3 - النجدات : أتباع نجدة بن عامر الحنفي .
4 - الصفرية : أتباع زياد بن الأصفر .
5 - العجاردة : أتباع عبد الكريم بن عجرد ، وافترقت العجاردة إلى عدة فرق منها :
6 - الخازميّة .
7 - الشعيبية .
8 - المعلومية .
9 - المجهولية : أصحاب طاعة لا يراد الله بها .
10 - الصلتية : أتباع صلت بن عثمان ، وقيل : صلت بن أبي الصلت .
11 - الشبيبية .
12 - الشيبانية .
13 - المعبدية .
14 - الرشيدية .
15 - المكرمية .
16 - الحمزية .
17 - الشمراخية .
18 - الإبراهيمية .
19 - الواقفـة .
20 - الإباضية : أتباع عبد الله بن إباض ، وافترقت الإباضية معظمها فريقان : حفصية وحارثية ، أما اليزيدية من الإباضية ، والميمونية من العجاردة فإنهما من غلاة الكفرة الخارجين عن فرق الأمة .

أهم بدع وضلالات الخوارج :
هذا ويجمع الخوارج على وجوب الخروج على الإمام الجائر ، حتى إنهم ساعدوا عبد الله بن الزبير ـ وليس منهم ـ لما رأوه خارجـًا على يزيد ، لاعتقادهم الجور في يزيد ، كما يجمعون أيضــًا على إكفار الحكمين ومن رضي بحكمهما ؛ حتى إنهم أقروا على أنفسهم بالكفر إذ أقام عليهم ابن عباس الحجة ثم قالوا : إنَّا تائبون ، وهم يرون تكفير عليّ ومعاوية وعثمان وأصحاب الجمل ـ رضي الله عنهم ـ .
أما التكفير بارتكاب المعاصي فلم يجمعوا عليه .

وهذه أهم بدعهم وضلالهم :
1 - الخروج على الإمام الحق ، مهما كان صلاحه وعدله ، إذا فعل ما يرونه مخالفة ، كما حدث ممن اعترض على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما حدث منهم مع علي رضي الله عنه ، بل مع عثمان رضي الله عنه قبله .
2 - الحكم على من خالفهم بالكفر ـ حيث خالف القرآن في زعمهم ـ من الخلفاء الراشدين ، فضلاً عن غيرهم ، وجواز قتله ، بل وجوبه كما حدث في قتلهم عبد الله بن الأرت وغيره .
3 - تجويز الإمامة في غير قريش ، والقول بعدم اختصاصها بهم .
4 - إنكارهم تحكيم الرجال ، وادعاؤهم أنه كفر ، قال الشهر ستاني : ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي رضي الله عنهما ، ويقدمون ذلك على كل طاعة ، ولا يصحِّحون المناكحات إلا على ذلك ، ويكفرون أصحاب الكبائر ، ويرون الخروج على الإمام ـ إذا خالف السنة ـ حقــًا واجبــًا .
5 - ردّ السنة إذا لم يرد ما يؤيدها صراحة في القرآن .
قال ابن تيمية رحمه الله : والخوارج لا يتمسكون من السنة إلاّ بما فسر مجملها دونما خالف ظاهر القرآن عندهم ، فلا يرجمون الزاني ولا يرون للسرقة نصابــًا.
قلت: ولا زالت الأيام تقذف لنا من هذه الفرقة أذيالا بعد أذيال ( كجماعة التكفير والهجرة، والتوقف والتبين، وغيرها ) وما زال الناس يكتوون بأفكارهم ويعانون من أفعالهم، وما زالوا يوقعون الغر بعد الغر ممن لم يعلموا مذاهب السلف الكرام ولم يتمسكوا بهديهم وفهمهم ، والله نسأل أن يحفظ المسلمين من كل سوء .. آمين.

انتهى البحث

دولة الإباضية في المغرب




انتشر المذهب الإباضي في المغرب على يد دعاة مخلصين وجدوا من البربر آذانا صاغية، فاستغلوا ذلك لنشر مذهبهم الذي طورد في المشرق القريب من عاصمة الخلافة الإسلامية فقد رأوا أنه حفاظا على بقاء مذهبهم وإقامة سلطة باسمه لابد وأن تكون بعيدة عن بطش الخلافة، فاختاروا المغرب بين قبائل البربر فقام للخوارج في المغرب مذهبان مذهب الإباضية ومذهب الصفرية، وكان مما ساعدهما في الانتعاش شيئا فشيئا اعتدال دعوتهم التي تهادن الحكام تحت ستار التقية وتعامل المخالفين بقدر من التسامح إلى أن بلغوا ما أرادوا، ولولا هذا الاعتدال لكان مصيرهم لا يقل عن مصير أولئك الذين قلما يجتمع لهم أقل عدد إلا وأعلنوها ثورة وعصيانا مسلحا فتنقض عليهم جيوش الخلافة حتى يبادوا، وقد أبيدوا بالفعل وما نشأت خوارج المغرب إلا نتيجة من نتائج تلك الإبادة في المشرق.
لقد كانت البصرة إحدى القواعد الأساسية لدعاة المذهب الإباضي، ومنها انطلق دعاة الإباضية الذين انتشروا في المغرب لتأسيس دولتهم هناك. وكان زعماء هذه القاعدة هم أوائل علماء المذهب و على رأسهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
فكان الدعاة ينتشرون منها إلى الأماكن المعينة، بل وكان الخارجون على الخلافة لا يخرجون إلا بعد استشارتهم كما كان الحال في خروج طالب الحق في جزيرة العرب وأبو الخطاب (أحد حملة العلم) كما يسميهم الإباضية في المغرب، ثم خلفه عبد الرحمن الرستمي ومن جاء بعده من أولاده فكانوا لا يبرمون أمرا ذا بال إلا عن مشورة علماء المذهب في البصرة. وقد رزق مذهب الإباضية في المغرب أنصارا مخلصين في إقامته وإعلانه أمثال سلمة بن سعد الذي " كان يقول في مبدأ أمره: " وددت أن يظهر هذا الأمر يوما واحدا فما أبالي أن تضرب عنقي " . وابن مغطير الجناوني، وغيرهما من الرجال الذين كانوا يذهبون من المغرب إلى البصرة ثم يرجعون بعد أن يتزودوا بالعلم والفقه في المذهب دعاة ومجاهدين وقضاة في دولتهم الناشئة.
وقد انتقل مع المذهب الإباضي إلى المغرب مذهب الصفرية كما قلنا وانتشر هناك على يد عكرمة مولى ابن عباس وهو بربري في الأصل ولهذا كان لدعوته إلى المذهب الصفري تأثير بين البربر لمعرفته بدخائل نفوسهم، وكان يدعو إلى مذهبه سرا ثم أخذ في الانتشار إلى أن صار مذهبا قويا فيما بعد، خصوصا وقد كان المهاجرون من المشرق الذين هربوا من اضطهاد الخلفاء يرتادون المغرب لبث دعوتهم في هذه المناطق النائية عن الخلافة الإسلامية، ولم يحدد المؤرخون بالضبط متى بدأ المذهب الخارجي ينتشر هناك. يقول الدكتور رفعت فوزي عن تحديد نشأة الإباضية والصفرية بالمغرب: " وإذا كانت الروايات التاريخية لا تبين لنا بالتحديد متى قدم إلى المغرب أول من دعوا إلى مذهب الخوارج وهما سلامة بن سعيد وعكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما؛ فإنه يمكن القول بأنهما قدما في أواخر القرن الأول أو أوائل القرن الثاني" .
ويجب أن نلاحظ هنا أن تلك القبائل التي كانت محط الأنظار لنشر المذهب الخارجي بينهم كانت متأرجحة بين اعتناق المذهب الخارجي والبعد عنه، وأغلبهم كان يميل مع القوي صاحب الغلبة، فإذا جاء من هو أقوى منه كان الحال معه كسابقه وهكذا.
لقد كان البربر منذ أسلموا مخلصين في إسلامهم يشتركون في جميع المعارك التي يخوضها الجيش الإسلامي، وكانوا عندما يعاملون بالعدل والرفق كما وصفهم الطبري: " من أسمع أهل البلدان وأطوعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك أحسن أمة سلاما وطاعة " . وقد ظلوا كذلك إلى أن بدأوا يحسون بالظلم من قبل ولاة الخليفة هشام وأسوأهم سيرة كان عبيد الله بن الحبحاب من قبل هشام، الذي كان جل اهتمامه في جمع الأموال والتحف وبعثها إلى دمشق لإرضاء الخليفة هناك كغيره من ولاة تلك المناطق.
وصادفت هذه المحنة وجود دعاة الخوارج بينهم فكانوا كلما دعوهم إلى الخروج على الخلافة الأموية بسبب ما يفعله ولاتهم من مظالم يتأبون عن الاستجابة لهم قائلين: إن هذا ليس ذنب الخليفة حتى نختبره، فيقول لهم دعاة الخوارج: إن هؤلاء العمال لا يقدمون إلا بأمر من الخليفة نفسه، فلم يقبلوا منهم. وهكذا ظلوا كلما دعاهم الخوارج قالوا: " إنا لا نخالف الأئمة بما تجني العمال ولا نحمل ذلك عليهم، فقالوا لهم: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا لهم: لا نقبل ذلك حتى نبورهم " أي نختبرهم.
وأخيرا وبعد أن طفح الكيل خرج بضعة عشر يرأسهم ميسرة المطغري متوجهين إلى دمشق ليشكوا ما حل بهم إلى الخليفة هشام، إلا أنه لسوء الحظ لم يقابلهم بل احتجب عنهم إلى أن نفذت نفقاتهم، فعزموا على الرجوع إلى بلادهم وهنا ذهبوا إلى الأبرش وحملوه رسالة منهم ليؤديها إلى هشام كالإعذار لما سيفعلونه فيما بعد، جاء في هذه الرسالة:
" أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده فإذا أصاب نفلهم دوننا، وقال هم أحق به؛ فقلنا: هو أخلص لجهادنا لأنا لا نأخذ منه شيئا، إن كان لنا فهم منه في حل وإن لم يكن لنا لم نرده، وقالوا إذا حاصرنا مدينة قال: تقدموا، وأخر جنده: فقلنا: تقدموا فإنه ازدياد في الجهاد ومثلكم كفى إخوانه، فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم، ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرونها على السخال يطلبون الفراء الأبيض لأمير المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد، فقلنا: ما أيسر هذا لأمير المؤمنين، فاحتملنا ذلك وخليناهم وذلك، ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا، فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنة ونحن مسلمون فأحببنا أن نعلم أعن رأي أمير المؤمنين ذلك الإمام لا . فأخذ الأبرش هذه الرسالة وقال: نفعل، وأخيرا ولما يئسوا من الوصول إلى هشام ويئسوا من إنصافهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم وأعطوا الوزراء قائلين لهم: " هذه أسماؤنا وأنسابنا فإن سألكم أمير المؤمنين عنا فأخبروه " ، ثم رجعوا.
وبالتأمل في تلك الرسالة نجد فيها حرارة الشكوى ومدى ما حل بهم إن صدقوا في كل ما ذكروه؛ إذ إن تلك الجرائم التي ارتكبت بحقهم لا يمكن السكوت عنها، وهنا وقر في قلوبهم ما قاله الخوارج سابقا ورجعوا في غاية الغضب والعزم على الخروج عن الطاعة، فبدأوا بعامل هشام على أفريقية فقتلوه ثم استولوا على أفريقية، ولما علم هشام بذلك سأل عن أسماء ذلك الوفد الذي جاء إليه فرفعت إليه أسماؤهم فإذا هم الذين وقفوا ببابه فاحتجب عنهم.

وهناك سبب آخر يعزوه الأستاذ رفعت إلى صاحب كتاب ( أخبار مجموعة ) ، الذي يرى أن سبب قيام خوارج المغرب بالثورة إنما هو " الاقتداء بالخوارج في المشرق أصحاب النهروان والأزارقة في الخروج على سلطان الخلافة والتحرر من ربقتها والكيد لها " .ويروي عن صاحب فجر الأندلس رأيا آخر، وهو أن تلك الثورة كانت سياسية قبل أن تكون دينية وذلك في قوله: " لسنا نجد على أي الأحوال من أخبار هذه الثورة الكبيرة دليلا واضحا على صفرية القائمين بالحركة أو إباضيتهم، والأسلم أن نسميهم خوارج سياسيين لا دينيين " . و على كل فقد اشتعلت الثورة وسموا ميسرة أمير المؤمنين، ثم التحموا مع جيش الخلافة في معارك عظيمة عبأ فيها هشام ثلاثين ألفا لمقاتلة الخوارج ، وحينما التقوا انهزمت جيوش الخلافة شر هزيمة واستتب الأمر للخوارج وبسطوا نفوذهم بقوة وبأس جعل الخليفة ييأس من استعادة أفريقية بعد هزيمة جيشه الذي أرسله بقيادة كلثوم بن عياض أمام قائد الخوارج خالد بن حميد الزناتي الذي حقق للخوارج استقلال المغرب حتى صار المغرب فيما بعد ملجأ كل ناقم على الخلافة الأموية .
ثم صارت الأمور بعد ذلك في صراع الخوارج والخلافة يتبادل الطرفان فيه النصر والهزيمة حتى انتهت الدولة الأموية وأعقبتها الدولة العباسية، فبدأت في مقاومة الخوارج بالمغرب وكان رئيسهم إذ ذاك هو أبو الخطاب؛ وهو أحد حملة العلم الخمسة الذين ذهبوا إلى البصرة وعادوا منها إلى المغرب يحملون فكرة إقامة دولة باسمهم، كما أشار عليهم زعيم المذهب الديني في البصرة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي تعتبره الإباضية من خيرة أسلافها وعلمائها الأجلاء.

فأخذ نجم الإباضية في الظهور على يدي أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الذي كان مقيما بطرابلس بعد الخطط لجعلها عاصمة لهم، وكانت البيعة له في غرب طرابلس في مكان يسمى " صياد " واتفقوا فيه على وضع خطة للقبض على زمام السلطة في طرابلس، وهي أن يوضع الرجال في جواليق مربوطة من أسفلها على جمال كل رجلين على جمل ثم يدخلون طرابلس فلا يفطن الناس إلى ما بها، وعندا يتوسطون المدينة يخرج الإباضية الذين بها مصلتين سيوفهم ثم تفتح الجواليق فيخرج الرجال على هيئة حربية كل رجل يحمل سلاحه، ثم جاء الموعد ونجحت الخطة وحين خرجوا كانوا ينادون لا حكم إلا لله ولا طاعة إلا لأبي الخطاب، وتم الاستيلاء على المدينة فعين عبد الرحمن الرستمي وهو أحد حملة العلم الخمسة أيضا على طرابلس قاضيا .
فأخذ هذا الرجل بما أوتي من قوة فكر ونفاذ بصيرة في تجميع الإباضية من حوله وأحل التعصب للمذهب بدل التعصب القبلي، حتى نجح بهم في إقامة دولة للإباضية استمرت ما يقارب مائة وخمسة وعشرين عاما. ومنذ أن تم النصر للإباضية في طرابلس بدأوا ينظرون إلى ما حولهم فحشدوا الجيوش للاستيلاء على القيروان لإنقاذها من بغي ورفجومة الذين عاثوا فيها فسادا، وسارت الحملة إليهم في ستة آلاف رجل، وعرضوا في طريقهم على قابس فاحتلوها ثم واصلوا السير إلى القيروان فحاصروها مدة، ثم خدعوا ورفجومة وأوهموهم أنهم منهزمون منهم، فلما خرجوا في لحاقهم عطف الإباضية عليهم فقتلوهم قتلا ذريعا عند مكان يسمى رقادة. ثم خرج أبو الخطاب عن القيروان بعد أن ولى عليها عبد الرحمن بن رستم.وبعد القضاء على ورفجومة رجع أبو الخطاب إلى طرابلس ولكن حدث أن ذهب أحد أتباعه ويسمى جميل السدراتي لمنافرة وقعت بينه وبين أبي الخطاب إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي طالبا منه إنقاذ ذلك الجزء من المغرب من حكم أبي الخطاب، فبعث إليهم أبو جعفر الجيش بعد الجيش وهم ينهزمون أمام الإباضية ، ولكن الإباضية عادوا فانهزموا أخيرا على يد محمد بن الأشعث وانتصر عليهم الانتصار الحاسم ، فقتل أبو الخطاب وكل من كان معه أثناء المعركة وتفرقت الإباضية في الجبال والأماكن النائية.

ثم جاء مؤسس الدولة الإباضية الحقيقي وهو عبد الرحمن بن رستم وهو الذي إليه " يعزى الفضل في تكوين دولة الخوارج الإباضية ، كان حكمها في أسرته من بعده " ، وهو فارسي الأصل من طبقة حكام الفرس الأكاسرة وقد انتقل بعد مقتل أبي الخطاب إلى تيهرت التي صارت فيما بعد عاصمة الإباضية، فاجتمعت عليه كلمة الإباضية وسلموا عليه بالخلافة سنة 160هـ، وكان جل أتباعه من قبائل البربر لواته ورجالة ونفزاوة ولماية ونفوسة التي اشتهر بأنها قلعة حصينة للإباضية.

وقد أصبحت تاهرت من أعظم المدن وأجملها وقد فصل القول فيها الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني وذكر كثيرا من دقائق أخبارها يعجب له السامع، واستشهد بعدة شواهد من كلام غير الإباضية نفيا لما قد يتوهم من مبالغته في وصفها كما يقول ، وقد تأسست هذه المدينة واكتمل عمرانها سنة 136هـ.وقد سار عبد الرحمن في حكمه سيرة ارتضاها الإباضية وتوالت عليه الإعانات من إباضية المشرق، الإعانات المعنوية والمادية وكان على اتصال في قضاياها المهمة بعلماء المشرق الإباضي؛ يقول محمود إسماعيل: " واستطاع عبد الرحمن بهذه الأموال تسليح رجاله من الإباضية ، وتمكن بفضلهم - على حد تعبيره من بسط سيادة الدولة على سائر قبائل البربر" .
وكان يجاور دولته دولة الصفرية التي اتخذت سجلماسة عاصمة لها حين تكونت سنة 140هـ، وقد تمت بين عبد الرحمن وملك الصفرية علاقة مصاهرة إذ تزوج ابن ملك الصفرية، ويسمى مدارا، بكريمة عبد الرحمن وبذلك أمن ذلك الجانب، ولولا تلك المصاهرة لجرى بينهم من الحروب والفتن الشيء الكثير وهذا من حنكة عبد الرحمن ومهارته في الأمور.وقد استمر الحال بالإباضية هناك في هدوء واستقرار إلى أن توفي عبد الرحمن الرستمي سنة 171 تقريبا، " وكي يضمن استمرار ذلك الاستقرار لدولته أوصى قبل وفاته بتعيين مجلس شورى يختار إمام الدولة من بين أعضائه "

فبايع الإباضية بعده ابنه عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي في هذا التاريخ، فاجتمعت عليه كلمة الإباضية وأحبوه لما امتاز به من الصلاح والحزم ولم ينقموا عليه أمرا إلا ما كان من ابن فندين وهو ممن بايعه فإنه خرج عنه غاضبا؛ لأنه لم يشركه في حكمه ولم يسند إليه منصبا وهذا تعليل الإباضية لخروجه عن طاعة عبد الوهاب، ولكن هذا التعليل ينفيه بعضهم ويرى أنه من صنع الإباضية لتشويه مطلب ابن فندين في حمل الإمام على اتخاذ مجلس شورى يأخذ برأيه وأسباب أخرى غير هذا .ثم انضم إلى ابن فندين ثائر آخر من الإباضية الطامعين في الحكم وهو شعيب المصري حسب ما تقول مصادر الإباضية ، ويقول غيرهم بأن هذا الحكم على شعيب " مبالغ فيه والأقرب للتصديق أنه توجه لنصح عبد الوهاب وإنهاء الخلاف في تاهرت، فلما لم يجبه انضم إلى ابن فندين " . وحينذاك دبر هذا الرجلان الثورة لنزع الحكم من عبد الوهاب فأنشبوا معركة على أبواب عاصمة الإباضية بتيهرت انهزم فيها الثوار وقتل ابن فندين؛ وهرب شعيب إلى طرابلس ناقما على الإمام مظهرا البراءة منه، فلما وصلت هذه الأخبار إلى علماء الشرق من الإباضية أجمعوا على البراءة منه ومن ابن فندين. وبموت ابن فندين اختفت المشاكل التي كانت شاغلة لعبد الوهاب وهدأت الأمور، ولكن هذا الهدوء كدرته ثورة أخرى قام بها قبائل من البربر تدين بالاعتزال وأكثرهم من قبيلة زنانة، التحموا معه في معركة طلب فيها من الثائرين عقد هدنة للنظر في الأصلح من الأمور فعقدت الهدنة وهنا كتب الإمام إلى أهل جبل نفوسة طالبا منهم المدد، ولما جاءه ما طلب التحم معهم في معركة أخرى انتصر فيها الإمام وظفر بتلك الطائفة من الواصلية المعتزلة وأذعنوا بالطاعة، وكانت تنشأ بين الحين والآخر بعض الانشقاقات فلا تلبث أن تنتهي. وامتد سلطان الإمام إلى طرابلس وما حولها وقد دامت خلافته 19 سنة إذ توفي في سنة 190هـ تقريبا، وهو الصحيح عند الباروني من بين الأقوال التي قيلت في ذلك ، تاركا وراءه ثورة خلف بن السمح في اشتعال.

وبعد وفاة عبد الوهاب بايع الإباضية ابنه أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي، فأمر أبو عبيدة وكان واليا من قبل عبد الوهاب على طرابلس بمحاربة خلف، وبعد مراسلات بينهما لم تجد نفعا التحموا في معركة انتصر فيها أبو عبيدة، وكانت تلك المعركة في 13 من شهر رجب سنة 221هـ، إلا أن هذه المعركة لم تنه عصيان خلف بل ثار مرة ثانية بعد وفاة أبي عبيدة وتولية العباس بن أيوب مكانه فراسل خلفا لإعادته إلى الطاعة، ولما لم تفلح معه المراسلة تقابلوا في معركة انهزم فيها خلف وتفرق جمعه ومات بعد ذلك منكسرا .
وبعد خلف جاء ثائر آخر هو فرج بن نصر النفوسي المعروف (بنفاث) والذي تنسب إليه فرقة النفاثية من الإباضية وكان له اطلاع في العلم، إلا أنه أخرجه الغضب لنفسه إذ لم يول ولاية في دولة أفلح حسب ما تقول مصادر الإباضية، وهذا لا ينفي أن تكون ثورته انتقاما من حكم الرستميين الذين جعلوا الخلافة وراثية ولكنه لم تكن له شوكة أو منازلة مع جيش أفلح بل كان خروجه بمجرد الكلام فقط، وأخيرا غمض أمره وانتهى دوره إلى أن حانت وفاة الإمام أفلح وكان المرشح لتوليها بعده هو ابنه ابن اليقظان محمد بن أفلح، إلا أنه حين وفاة والده كان مسجونا في بغداد وذلك أنه كان قد اختطف في حجه وأودع سجن بغداد، فبايع الناس بعد وفاة أفلح ابنه أبا بكر بن أفلح، إلا أنه لم يكن مرضيا من جميع الناس، ووقعت فتن في عهده وحروب أهلية.
وقد عاد ابن اليقظان من بغداد إثر إطلاقه من السجن فنظم الأمور وأحبه الناس فتمت بيعته سنة 241هـ، واجتمعت عليه الكلمة وأتته وفود البيعة من كل أرجاء مملكته واستتب الأمن وكثر الرخاء إلى أن توفي سنة 281هـ.
وبعد وفاته بايع الإباضية ابنه أبا حاتم يوسف بن محمد باتفاق الكافة ولم ينكر أحد في الظاهر أي أمر، إلا أنه كان في نفوس بعض الناس ميل عنه ومنهم عمه يعقوب بن أفلح إلا أنه لم يحرك ساكنا حينئذ، ثم حدثت فتنة بعد ذلك بقيادة بعض المشايخ مسموعة الكلمة وتطور الخلاف إلى أن أصبح لا يمكن حله إلا بالمعركة، وجمع كل فريق ما عنده من قوة استعدادا لخوض الحرب.
وقد استدل أهل مدينة تيهرت زعامتهم إلى عم أبي حاتم السابق الذكر يعقوب بن أفلح بينما كان الإمام محاصرا لها من خارجها ولم يبق إلا الدخول في المعركة، فابتدأت رحاها بين الإمام وعمه فأهرقت الدماء وتقطعت السبل وعاش الناس في أشد الضيق، إلى أن توسط بعض أهل الإصلاح بين الإمام وعمه لعقد هدنة وصلح على أن يقف كل منهما عن منازعة الآخر مدة أربعة أشهر حتى ينظر الناس في أمورهم ورجاء ما يمن الله به من حسن تدبيره.
وقد حدث في أثناء هذه المدة أن استمال الإمام كثيرا من الناس ووعدهم ومناهم إلى أن مال إليه أكثر أهل المدينة (مدينة تيهرت)، فرأى يعقوب ومن معه من خاصته أن الخطر قد أحدق بهم وهنا قرروا الهرب إلى طرابلس التي كانت الفتنة فيها و في جبل نفوسة على أشدها ليكونوا على بعد عن الإمام .
وهنا دخل الإمام المدينة بعد أن كان مقيما خارجها في أثناء تلك الأربعة الأشهر وصفي له الجو في تيهرت وما حولها، باستثناء طرابلس ونفوسة وما حولهما فقد وقعت فيها بعض الفتن الداخلية ثم أعقبهم نزول جيش إبراهيم بن الأغلب التابع للخلافة العباسية فقتل أهل نفوسة قتلا ذريعا وانهزموا شر هزيمة.
ومن هنا بدأ نجم دولة الإباضية الرستمية في الأفول شيئا فشيئا إلى أن توفي الإمام أبو حاتم سنة 294هـ مقتولا على يد أبناء أخيه باتفاق تم بينهم للاستيلاء على الحكم، وشايعهم على هذا بعض الناس فقتلوه ثم تولى بعده اليقظان بن أبي اليقظان وهو ابن أخيه، وبمجرد توليه بدأ انقراض دولة بني رستم على يد الشيعة وذلك على يد عبيد الله الشيعي وظهور دعوته في المغرب، فقد احتل مولاه ويكنى بأبي عبد الله الحجاني تيهرت العاصمة الإباضية وقضى على أسرة بني رستم وانتهى أمرهم وذلك في سنة 296هـ، فرثاهم علماء الإباضية بالمراثي المحزنة ورثوا تيهرت وما أصابها من خراب بعد بني رستم.